
تقدم الطالب الباحث ذ. عبد العزيز صربوط بأطروحة في تخصص علم النحو، أمام لجنة علمية وازنة بكلية الآداب ظهر المهراز فاس، قصد نيل شهادة الدكتوراه، وبعد مناقشة علمية جادة- ناهزت أربع ساعات- لموضوع الأطروحة وقضاياها ومنهجها، قررت اللجنة نجاح الطالب وحصوله على شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا.

تقرير المناقشة
بعد مسيرة بحث امتدت لست سنوات بسلك الدكتوراه، ها أنا اليوم أحظى بشرف عظيم جدا يتمثل في مثولي أمام أساتذتي الأجلاء أعضاء هذه اللجنة العلمية الموقرة، لأقدم تقريرا حول أطروحتي لنيل شهادة الدكتوراه، والتي وسمتها باقتراح وتوجيه من أستاذي المشرف، بعنوان: “الدرس النحوي في الأندلس من خلال شروح جمل الزجاجي في القرنين السادس والسابع -دراسة في المنهج والقضايا
أولا: كلمة شكر وعرفان
ثانيا: تقديم موضوع البحث
لعل المتأمل بعمق في تاريخ البشرية؛ وعصورها المتعاقبة، تستوقفه معالم التحول البارزة التي طرأت، وتطرأ على حياة الإنسان، وطبيعة المجتمعات، ولا بد كذلك أن يقف دارس التاريخ على مختلف الظواهر التي شهدتها العصور السالفة، وهي ظواهر أنتجتها ظروف العصر والبيئة، إذ لكل عصر ظروفه الخاصة، ومعالمه التي تعد نتاجا محضا لظروفه التاريخية والبيئية.
وإن المستقرئ للتاريخ الإسلامي ليقف مشدوها أمام منجزات الحضارة الإسلامية؛ المادية والمعنوية، التي ما زالت شاهدة على مدى الرقي الذي وصلت إليه، فحق لنا أن نعترف لها بالفضل في إتمام رسالة إعمار الأرض بالصالحات التي بدأت مع الحضارات السابقة، فالحضارة الإسلامية، بحق، حلقة وهاجة في سلسلة تاريخ البشرية.
ومن مظاهر سموق الحضارة الإسلامية في جانبها المعنوي ذلك الإرث العلمي المتنوع الذي خلفته في شتى صنوف العلوم والمعارف، وفي مقدمتها علم النحو، وهو علم استوقف المسلمين فيما مضى، وما يزال يسترعي اهتمامهم إلى اليوم.
ومن المناطق التي شهدت ازدهارا منقطع النظير للدراسات النحوية منطقة الغرب الإسلامي عموما، ومنطقة الأندلس على وجه الخصوص، حيث مر فيها الدرس النحوي بمراحل كثيرة، بدأت بمحاولات بسيطة من قبل بعض المهتمين بالعربية لدراسة وتدريس ما ألفه أهل المشرق من كتب في هذا الصدد، ثم ما فتئ الدرس النحوي بعد ذلك أن انتقل من مرحلة إلى مرحلة أخرى أكثر نضجا من سابقتها، حتى أصبح نحاة الأندلس قادرين على التأليف في علم النحو.
ومن الظواهر التأليفية في علم النحو التي استرعت اهتمام الباحثين والمهتمين بالدرس النحوي قي الأندلس ظاهرة شرح المتون النحوية، وهي ظاهرة تشكلت وبزوغ أول المصادر في علم النحو بالمشرق، والقصد هنا كتاب سيبويه الذي عمد النحاة إلى شرحه قصد تقريبه من الأفهام، غير أن هذه الظاهرة قد اتخذت أبعادا أخرى في الأندلس، إذ لم تعد عملية الشرح لديهم تقتصر على التفسير والتوضيح، وإنما تعدت ذلك إلى عمليات أخرى، من قبيل التوجيه، والتعقب، والاعتراض، والرد.
ويعد كتاب “الجمل في النحو” لأبي القاسم الزجاجي من بين المؤلفات التي حظيت باهتمام منقطع النظير في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، حيث أنجزت حوله مجموعة من الشروح، بيد أنه يحسب للأندلسيين النصيب الأكبر منها.
ولقد شكل اهتمام الأندلسيين بكتاب الجمل محط دراسات وأبحاث كثيرة، غير أن أغلب تلك المحاولات قد تطرقت إلى هذا الموضوع بشكل عام، أو من زاوية محددة، وهو ما ترك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام الباحثين لدراسته من زوايا مختلفة. ومن هنا تبرز أهمية البحث الذي آثرت الاشتغال عليه، حيث تناولت الدرس النحوي بالأندلس من خلال شروح جمل الزجاجي في القرنيين السادس والسابع.
ثالثا: دوافع اختيار الموضوع
يمكن إجمال دوافع اختياري لموضوع هذا البحث بشكل عام في دوافع ذاتية، وأخرى موضوعية:
- الدوافع الذاتية
فأما الدوافع الذاتية فقد تم فيها استحضار ميولي المعرفي الذي عبرت عنه في موضوع بحثيْ الإجازة والماستر اللذين كان موضوعهما في علم النحو، لذلك ارتأيت أن أستمر في الموضوع نفسه بسلك الدكتوراه مع ضرورة التدقيق أكثر في هذا الموضوع، وبعد مشورة مع أستاذي المشرف وقع الاختيار على البحث في الدرس النحوي بالأندلس من خلال شروح الجمل في القرنيين السادس والسابع.
- الدوافع الموضوعية
وأما الدوافع الموضوعية التي شجعتني على البحث في هذا الموضوع فتكمن في أهميته التي تتمثل في سعينا إلى إظهار خصائص الدرس النحوي بالأندلس من خلال شروح الجمل في القرنيين السادس والسابع الهجريين، يضاف إلى ذلك بعض الدوافع الأخرى، منها:
- قلة الأبحاث والأطاريح الجامعية المغربية التي تناولت موضوع الدرس النحوي بالأندلس من خلال شروح الجمل في القرنيين السادس والسابع الهجريين.
- البحث في إشكالية ظلت مثار العديد من الخلافات بين الكثير من الباحثين في الدرس النحوي بالأندلس، والتي تمثلت في التساؤل عن مدى قدرة نحاة الأندلس على الاستقلال عن النحاة بالمشرق وعن مواقفهم تجاههم، كما تمثلت أيضا في طرح السؤال عن مدى قدرة الدرس النحوي بالأندلس على تقديم إضافة إلى النحو العربي.
(إضافة أسباب اختيار العينة وإغفال بعض الشراح وعد الإطالة في النظري)

رابعا: إشكالية البحث
تأسيسا على ما تقدم، فإن الإشكالية التي انطلق منها بحثي في موضوع الدرس النحوي في الأندلس من خلال شروح جمل الزجاجي في القرنين السادس والسابع قامت على سؤال مركزي عام هو: أين تتجلى خصوصية الدرس النحوي بالأندلس خلال القرنين السادس والسابع الهجريين؟ لتتفرع بذلك عن هذا السؤال سلسلة من الأسئلة تم ذكرها في مقدمة هذا البحث.
خامسا: فرضيات البحث
بناء على الأسئلة التي وجهت إشكالية البحث، صغت ست فرضيات أقتصر على ذكر ثلاث منها:
- وجود سمات عديدة في الدرس النحوي بالأندلس تميزه عن نظيره بالمشرق، خاصة على مستوى العلوم المؤثرة فيه، ومصادر الاستشهاد.
- اتفاق شراح جمل الزجاجي في مجموعة من الآراء واختلافهم في أخرى.
- اتصاف شراح الجمل بجرأة علمية جعلتهم يخالفون سابقيهم في كثير من القضايا، ومكنتهم من تقديم أحكام جديدة لم يسبقهم إليها غيرهم.
سادسا: أهداف البحث
يمكن إجمال أهداف البحث في هدف عام، وأهداف أخرى فرعية، يتمثل الهدف العام في كون هذا البحث يرمي إلى الوقوف على أهم مميزات الدرس النحوي بالأندلس من خلال شروح جمل الزجاجي في القرنين السادس والسابع الهجريين، وأما الأهداف الفرعية فلا يتسع المقام لذكرها.
سابعا: منهج البحث
انطلاقا من طبيعة الموضوع الذي آثرت الاشتغال عليه في هذا البحث، وحرصا مني على بلوغ الهدف العام من البحث المتمثل في الوقوف على مميزات الدرس النحوي بالأندلس من خلال شروح جمل الزجاجي في القرنين السادس والسابع الهجريين، اعتمدت في شق من هذا العمل على المنهج التاريخي للبحث في نشأة الدرس النحوي بالأندلس وتطوره وكذا العوامل المتحكمة في ذلك، وفي شق آخر وهو الذي يمثل أساس البحث وجوهره وظفت إجراءات أخرى كالوصف والتحليل والمقارنة وغيرها، وذلك لإبراز أهم آراء شراح جمل الزجاجي وبيانها والتعليق عليها والمقابلة بينها، ومقارنتها بالآراء السابقة.

ثامنا: الدراسات السابقة
مما لا شك فيه أن موضوع الدرس النحوي في الغرب لإسلامي، وخاصة ما يتعلق منه بالجانب النظري، قد حظي باهتمام كبير من طرف الدارسين، فالمكتبة العربية تضم كتبا ومؤلفات كثيرة في هذا الباب، ومن بين الدراسات التي تتقاطع مع موضوع بحثي أذكر:
- “الفكر النحوي عند نحاة الأندلس في القرنيين السادس والسابع الهجريين دراسة وتحليل”، خالد عبد الرحيم عبد اللاه: مكتبة الآداب، القاهرة، ط 1 2014م.
- · “إسهامات نحاة المغرب والأندلس في تأصيل الدرس النحوي العربي خلال القرنين السادس والسابع الهجريين”، يحياوي حفيظة: منشورات مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر، 2011م.
- شروح جمل الزجاجي (دراسة تحليلية موازية)، نصيف جاسم محمد الراوي: أطروحة دكتوراه في آداب اللغة العربية، جامعة بغداد كلية الآداب، 2003م.
- من أعلام الأندلس: السهيلي وكتابه (نتائج الفكر)، محمد زهار: مقال منشور بمجلة الأثر، مجلة الآداب واللغات، جامعة قاصدي مرباح، ورقلة، الجزائر، ع. 6، ماي2007م.
- الأدلة النحوية الإجمالية في شرح ابن عصفور الكبير على جمل الزجاجي، حسن بن محمد حسن مفرق: رسالة ماجستر بجامعة أم القرى كلية اللغة العربية، 2008م.
- مظاهر التجديد في النحو الأندلسي خلال القرنين السادس والسابع الهجريين، سهام عبد الكبير، رسالة دكتوراه، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز فاس، 2024م.
فبعد اطلاعي على هذه الدراسات التي تتقاطع مع الموضوع الذي آثرت الاشتغال عليه في هذا البحث، أصبح لزاما عليَّ أن انطلق من نتائجها وتوصياتها والبحث عن الفجوات التي تم إغفالها والعمل على معالجتها. ومن تم تولدت لدي رغبة كبيرة في التطرق إلى قضية الدرس النحوي في الأندلس، وذلك من خلال التركيز على شروح جمل الزجاجي في الأندلس خلال القرنين السادس والسابع مع استحضار ضرورة تقديم جديد في هذا الموضوع، والذي تمثل في الكشف عن خصائص الدرس النحوي بالأندلس من خلال أربعة شروح لجمل الزجاجي في القرنيين السادس والسابع الهجريين، وهي على التوالي: كتاب “الحلل في إصلاح الخلل” لابن السيد، وكتاب “نتائج الفِكَر” للسهيلي، وكتاب “شرح جمل الزجاجي لابن خروف”، وكتاب “شرح جمل الزجاجي لابن عصفور الإشبيلي”، حيث عملت على إبراز مواقف هؤلاء النحاة في أهم القضايا النحوية المثارة في كتاب “الجمل في النحو” للزجاجي مع المقارنة بينها، هذا بالإضافة إلى جرد المصطلحات النحوية المُعرَّفة في هذه المتون الأربعة.
تاسعا: عناصر البحث:
توزعت مباحث هذا البحث على مقدمة وبابين، الأول نظري، والثاني تطبيقي.
حددت في المقدمة موضوع البحث ودوافعه وإشكالاته وإطاره المنهجي، وأتبعتها مدخلا عاما خصصته للحديث عن الحياة الثقافية والعلمية بالأندلس. أما ما يتعلق بالباب النظري من هذا البحث فوسمته بالدرس النحوي بالأندلس نشأته وخصائصه، وضمنته فصلين:
عنونت الفصل الأول بالدرس النحوي بالأندلس نشأته وأعلامه والعلوم المؤثرة فيه، وعلاقته بالمذاهب النحوية السابقة، وقسمته إلى ثلاثة مباحث، تطرقت في المبحث الأول إلى الحديث عن تاريخ نشأة الدرس النحوي بتلك البلاد، والعوامل المؤثرة فيه، وأشهر أعلامه، وخصصت المبحث الثاني إلى الحديث عن بعض العلوم المؤثرة في علم النحو على وجه العموم، والدرس النحوي بالأندلس على وجه الخصوص، وتناولت في المبحث الثالث الحديث عن المذاهب النحوية في علاقتها بالدرس النحوي بالأندلس.
وأما الفصل الثاني من هذا الباب فوسمته بأصول الدرس النحوي في الأندلس، وأنماط التأليف في علم النحو، وقسمته إلى مبحثين، تطرقت في الأول إلى الحديث عن أسلوب تعامل نحاة الأندلس مع مصادر السماع في الاستشهاد على آرائهم، وعن مواقفهم تجاه القياس، والإجماع، وأما المبحث الثاني من هذا الفصل فتعرضت فيه للحديث عن أنواع المؤلفات في علم النحو، وظاهرة شروح المتون النحوية، وأبرز المشروحات وشروحها في المشرق والغرب الإسلامي.
وبخصوص الباب الثاني من هذا البحث فعنوانه: خصائص الدرس النحوي بالأندلس من خلال شروح جمل الزجاجي، وقسمته هو ا الآخر إلى فصلين:
وسمت الفصل الأول بالتعريف بأبي القاسم الزجاجي(340هـ) وجمله وشراحه وشروحهم وضمنته مبحثين، خصصت الأول منهما للتعريف بالزجاجي وكتابه الجمل في النحو، وأما الثاني فقد خصصته للتعريف بشراح “الجمل في النحو” وشروحهم، حيث وقع اختيارنا في هذا المبحث على أربعة شروح هي “كتاب الحلل في إصلاح الخلل من كتاب الجمل” لابن السيد البطليوسي (521ھ)، و”نتائج الفكر” للإمام السهيلي (581هـ)، و”شرح جمل الزجاجي” لابن خروف الإشبيلي (609هـ)، و”شرح جمل الزجاجي” لابن عصفور الإشبيلي (669هـ)، حيث عرفت بهؤلاء الشراح من خلال أنسابهم، وحياتهم ومنازلهم العلمية، ومذاهبهم النحوية، وعرفت بالشروح من خلال مناهج أصحابها، وأساليبهم، ومواردهم، وشواهدهم، ومصطلحاتهم.
وأما الفصل الثاني فقد أفردته لإيراد آراء الشراح في أهم القضايا النحوية مع المقارنة بينها. ولبلوغ هذا الهدف مهدت لهذا الفصل بمدخل تضمن مبحثا في أقسام الكلام، تلته أربعة مباحث أوردت في الأول آراءهم في الاسم، واستحضرت في الثاني آراءهم في الفعل، وخصصت المبحث الثالث لإيراد آرائهم في الحرف، وأما المبحث الرابع فقد تناولت فيه آراءهم في أهم القضايا المشتركة بين الاسم والفعل والحرف، وذيلت البحث بخاتمة تطرقت فيها بإيجاز إلى أهم الخلاصات والاستنتاجات المتعلقة بفصول البحث، يليها ملحق بأهم المصطلحات المعرفة من قبل الشراح في شروحهم، ثم لائحة بأسماء مصادر البحث ومراجعه، وفهرس للمحتويات.

عاشرا: نتائج البحث وخلاصاته
- أسهمت مجموعة من العوامل في نشأة الدرس النحوي بالأندلس وازدهاره؛ أبرزها ازدهار الرحلات العلمية، سواء من الأندلس نحو المشرق، أو من المشرق نحو الأندلس، وتشجيع حكام الأندلس على طلب العلم والحث على تحصيله من خلال تحفيز الطلاب بوسائل مختلفة،
- تميز الدرس النحوي في الأندلس بطابع خاص اكتسبه من خلال مجموعة من العلوم أثرت فيه بشكل أو بآخر.
- تجاوز النحاة الأندلسيون الحدود التي وضعها المشرقيون في الاستشهاد، وذلك ما يتجلى في انفتاح معظمهم على الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف بشكل غزير مقارنة مع من تقدم عليهم، وكذا بعض القراءات القرآنية التي عدت شاذة من قبل سابقيهم، كما كانت لبعضهم الجرأة للاستشهاد ببعض اللغات التي لم يستشهد بها المشرقيون، هذا بالإضافة إلى استشهادهم بشعر بعض الشعراء غير المنتمين لعصور الاحتجاج.
- حظوة كتاب “الجمل في النحو” لأبي القاسم الزجاجي باهتمام كبير من قبل النحاة في مختلف أقطار العالم الإسلامي شرقه وغربه، حيث اتخذ ذلك الاهتمام شكلين مختلفين، إذ من النحاة من اهتم بالقضايا المثارة في الكتاب وبآراء صاحبه، ومنهم من صوب اهتمامه إلى شواهده فقام بشرحها.
- اتفاق شروح جمل الزجاجي موضوع بحثنا في جوانب كثيرة، واختلافهم في جوانب أخرى، حيث اتفقت بشكل نسبي على مستوى المنهج الذي اتبعه الشراح في الشرح والذي ينبني على ترتيب الأبواب وفق ترتيب الزجاجي لها في جمله.
- اتفاق الشراح أيضا على مستوى الأسلوب الذي يعتمد على الوصف والتحليل والمناقشة والنقد، والحكم، كما اتفقوا في الجانب المتعلق بالمصادر التي وحدت معظمهم.
- اختلاف الشراح في الأساليب التي تراوحت ما بين الإيجاز والإسهاب، فابن السيد والسهيلي اختارا سبيل الإيجاز، بينما أسهب ابن خروف وابن عصفور في شرحيهما، وذلك ما يفسر بالحجم الكبير لشرحيهما مقارنة مع الحلل في إصلاح الخلل ونتائج الفكر.
- اختلاف الشروح أيضا على مستوى عناية أصحابها بالمصطلح النحوي، حيث نشهد مع مؤلفاتهم تدرجا في العناية بالمصطلحات والاهتمام بها من حسن إلى أحسن.
- تميز الدرس النحوي في الأندلس بقدرة أعلامه على التخلص من التبعية للآراء النحوية المشرقية في كثير من القضايا النحوية، وذلك ما يتجلى من خلال مخالفتهم للبصريين والكوفيين والبغداديين في الكثير من مسائل هذا العلم.
- تميز الدرس النحوي بالأندلس بعدم توافق أعلامه حول الكثير من الأمور، حيث نلحظ اختلافهم في الكثير من القضايا النحوية، وتميز أيضا بسعي بعضهم إلى ابتكار أحكام جديدة لم يسبقوا إليها، كما هو الحال مع ابن عصفور الإشبيلي.
- إمكانية اعتبار العمل الذي قام به أصحاب المؤلفات التي درسناها في الشق التطبيقي من هذا البحث نقدا نحويا، بمفهومه الاصطلاحي، تناول كتاب “الجمل في النحو” للزجاجي، وهو ما يدل عليه سعيهم في الكثير من الأبواب إلى إظهار ما وفق فيه الرجل، وما لم يوفق فيه مع تعزيز كل ذلك بما يناسب من حجج وبراهين.
- تجسيد الشروح التي تناولتها بالدراسة في هذا البحث أهم معالم الدرس النحوي بالأندلس الذي استطاع أن يرسم لنفسه صورة مختلفة عن المذاهب المشرقية، حيث يحق لنا القول دونما أن نخطئ إن التجربة النحوية بالأندلس قد بلغت درجة من الكمال يمكن أن نطلق عليها على غرار ما وقع في المشرق العربي المذهب الأندلسي في النحو، أو المدرسة الأندلسية في النحو.
هذا ما توصلنا إليه من خلال هذا البحث من نتائج وخلاصات، وهي نتائج لا ندعي أنها حتمية ونهائية، وإنما هي قابلة للمراجعة والتعديل والنقد لتدقيقها، وتصويب اعوجاجاتها وتجويدها أكثر.
وتبقى هذه الدراسة مجرد وقفة قاربنا من خلالها بعض القضايا الواردة في شروح جمل الزجاجي التي اخترناها عينة لعملية البحث، حيث لم نستطع الوقوف على معظم القضايا الواردة فيها، لكن ذلك لا يعني توقف عملية البحث فيها، بل على العكس من ذلك كلنا عزم على إتمام ما بدأناه في مشاريع بحثية لاحقة مستقبلا، إن شاء الله.

عبور ثقافية جامعة