الحياة من الموت في مجموعة” لاشيء أخاف سوى الخريف”

كيف لي أن أتكلم عن شاعر ورسام يحترق في ظله؟

من أي زاوية يجب أن أنظر إلى كتاباته؟

كيف لي أن أحدد ماهيته انطلاقا من الكلام عنه؟

أم أترك مقدمة ديوانه تتكلم عنه؟

من مقدمة ديوانه الجديد: لاَ شَيء أَخَاف سِوَى الْخَرِيف

(فِي اِتِّسَاعِ الْكَوْنِ وَتَمَدُّدِ اللَّوْن، فِي كُلِّ طَيْف تَمَنَّيْتُ

أَنْ أَكُونَ الْمَوْتَ لِأَحْيَا كُلّ لَحْظَة مِنْ

جَديد فِي كُلِّ شَيْءٍ حَيّ..)

انطلاقا من المقدمة يتضح إن الشاعر الذي يبحث عن معنى للحياة الهاربة ويبحث عنه حين يخترق سطح النص الشعري إلى باطنه، ليبحث عن المعنى الباطن الذي يسكن عمق النص. لا يخاف أن يصيبه الإفراط في اختراق الصور المرئية واللامرئية للنص. والبحث في طبقات اللون عن المدلول ما يعطي للنص معناه. ولا يخفي التماهي في وصف ألوان أطياف الرؤى وفي وصف المحبوب والمحجوب. ذلك المحبوب المرئي والمحجوب اللامرئي. وهو ذلك المحب والمحبوب الذي يحترق في ضياء قناديل الحروف والكلمات.

في قصيدة يوم ميلاده

٢٠ مارس

لَا يَفْهمُونني

سَوْف

لَا أَتَحَدَّث لِلْمَوْتَى.

للأحياء

()

يَجْرِفُني التِّيّار

أَحْبُو إِلَيْك

قَادِم

حِينَ يَجِفّ ظل السماء

()

أ تأتيني هَارِبا.. إِلَيَّ

أَمْ

أَنَا الْفَار مِنْ دُنْيَاي إِلَيْك

()

الْعُمْر يَمْضِي..

رَبِيع كُلّ سَنَة

جُبَّة تَزْحَف بِي إِلَى أَيْن؟

أَيَا ذَاكَ الْآَتِي مِنَ الْمَنَافِي

تَبْحَثُ عَنِّي بَعْد سَنَة مِنَ الْغِيَاب

تَحْمِل لَوْحِي بِأَبْيَض حِجَاب.

()

تَمَهَّل عَلَيَّ

يَا شَبِيهِي فِي الذَهَاب وَالْإِيَاب

كِلَانَا

يَمْشِي عَلَى مَاضِي الرَّمَاد.

أَنْتَ مَجْنُون بِلون السواد…

وَمَا أَنَا مَجْنُون بِرُؤَى نور الْحَيَاة…

في زُرْقَة السَّماء

أَعْرِف

أَنِّيَ أَحْمِلُ جَنَازَتِي فَوْقَ كَتِفَاي

ظِلّها يَخْطّو خَلْفَ قَدَمَاي

كَأَنَّ الرُّوح هَارِبَة مِنْ مَنْفَى الْمِيلَاد.

إِلَى حَيْت لَا أَشَاء

هِيَ تَشَاء

()

طُيُور ٢٠ مَارِس تُزَغْرِد

تُمَزِّق عَنِّي الثيَاب

تَخِيطُ كَفْنِي فَوْقِي.

إِذَا شَمْسِي تَنْحَنِي إِلَى الْغياب.

كتابة النص لدى شاعرنا ليس نزوة لحظة انها انفجار دائم الثوران، خين يقول

“لَا يَفْهمُونني”

هي (معنى المعنى) إنها الباطن الساكن عمق القصيدة وطوفانها الذي لا يهدأ في ضياء الصبح أو في غسق المساء. الكتابة عنده مرتبطة بمنطق اللانهائي في الرؤى. لا يبحث عن الصورة البليغة أو البسيطة، بل إن الصورة تبحث عن نفسها وسط القصيدة دون عناء أو ارتباك، تأول نفسها حسب حالة الزمان والمكان. لا يحاورها فهي تحاور نفسها من داخلها. لا يحاول أن يزيف عين القارئ، بقدر ما يضعه وجها لوجه مع موضوع القصيدة.

قد يحدث أن تكون الصورة أقوى من الوجع أو الفرح أو الحنين فتعلن القصيدة عن تحديها للحلم والرغبة فتنتج لغة تعتمد على تعرية النص في حدائق خصبة متنوعة الدلالات لإشباع القصيدة إما بفواكه الفرح أو القرح. يحدث كل هذا في ذروة المد والجزر حين تحمل مخيلة الشاعر وعواطفه رياحا مشبعة برذاذ الحب والوجع.

ان روح شاعرنا متخلصة من حدود شروط الإبداع ومن حواجز المحرم في البحث الإبداعي، بل يتماهى صعودا ونزلوا في دروب أيقاع القصيدة إلى السقوط في مخابئ رحم الرمز إلى حين وجع الولادة….

يقول في قصيدة:

كَحَارِسِ الْغِيَابِ

لَا يَخَافُ

أَنْ يُصَابَ بِالصَّدْمَةِ وَالْاِنْهِيَارِ وَالْألَم

غِيَاب يبْنِيهِ

مُجَسَّمَات بِالرِّيشَةِ وَالْقَلَمِ،

يحْتَوِيهِ

كَطَيْف بَيْنَ الْوَاقِعِ وَالْخَيَال،

كَشَمْسِ شِّتَاءِ فِي الظُهور والاِختِفَاءِ

قمر

()

أَعْرِف أَنّه

مُتَعَلِّق بِاللاَّمَرْئِي

مُتَعَلِّقٌ بِالْفَرَاغِ اللَّامتناهي

مُتَعَلِّقٌ بِمَا لَيسَ آتِ

لَكِنْ

يحَاوِلُ أَنْ يعَرِّي الْغِيَابَ

بِالْمُفْرَدَات وَالصُّور،

غِيَابٌ يلَقِّحهُ بِالْحُبِّ والُّبَاب

()

مِنْ حَمَإِ مَسْنُونٌ ولد

ليحرث حُقُول الْاِشْتِيَاقِ

بِمَفَاتِحَ الْوَجَعِ وَيَنَابِع الْألَمِ،

لِيرْسُمَ

صُورَكِ مِنْ أَطْيَافِ ضِيَاءِ الْعَدَمِ

ويجْمَع الرُّؤَى وَمُعَتَّق الْقُبُلَاتِ

مِنْ كُؤُوسِ الذِّكْرَيَاتِ،

ذِكْرَيَاتٌ مُثْقَلَةٌ عُيُونِهَا بِدُموعِ الندم

إنه الشاعر الذي لا يتكلم كثيرا، بل يحملك إلى عتبات معبده وبرج محرابه ليزرع في حقول روحك ورود الأمل والفرح أو شوك الأرق وألم الوجع.

لأنه شاعر لا يتبنى الكذب، شعره نابع من الذات يحاول صياغة نص مسؤول لا يستنسخ خطابا ثقافيا في فن المديح وبلاغة الكذب الجميل، ولا مزدوج الهوية بل يستعمل مفاهيم حارقة تهتك ستائر المواقف الأدبية والثقافية الجاهزة.

يقول في قصيدة

خَشَفَ الْبَصَر

لَنْ يَشْفَع لَك مِلْحُ الْبَحْرِ

وَلَا حبَّات الرَّمْلِ

كُلّ

مَا مَضَى كَانَ أَمْرَا قُضِيَ عَنْ جهْل

مِنْ عَمَى قَلْبٍ وَهَل

يَا بَائِعَةَ الْوَهْم

صَمَّت الْأَذن

عَمتِ الْعِين

كَاذِبة أَنْتِ وَإِن صَدَّقَ قَلْب رَهْل.

تبقى القصيدة قريبة بعيدة عنه، لكن ناصيتها بيد الشاعر تخضع لرؤيته ولطبيعة كتابته الشعرية في وعيه الغائب الحاضر، فهو لا يكلف نفسه عناء البحث عما هو متنافيا مع رأياه.

يرى المرأة في الحياة والحياة في المرأة وجهان لعملة واحدة، قصائد في وقوف مع تمدد في صمت، لتلد عملا شعريا يقرب نبض القصيدة الى نبض قلب القارئ المتمعن في اسرار الحياة.

من ديوان لا شيء أخاف سوى الخريف

العربي الحميدي| المغرب

شاهد أيضاً

أَخِي

عصمت شاهين الدُّوسكي| العراق خَبَّرُونِي فِي رُدْهَةِ الْحَيَاةِ مُسْتَلْقِيًا تَغْفُو عَينَاكَ  وَعِيونُنَا بِصَمْتٍ بَاكِيًةٌ أَضَاقَ   …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات