مقدمة
ما كان المغربُ الأشمُّ عبرَ مَطاوِي العصور مجردَ رُقعةٍ جغرافيةٍ غافيةٍ على ضفافِ المتوسط، بل هو سُرَّةُ الكونِ الحضارية، ومنارةٌ ضاربةٌ بجذورِ أَلَقِها في أغوارِ الأزل؛ نسيجٌ ملكوتيٌّ أحكمَ الدهرُ صياغتَه، فغزلتْ يدُ التاريخِ من خيوطِ حقبِهِ المتدافعة ملحمةً هوياتيةً عصيةً على التكرار.
وتتجلى عبقريةُ هذا الكيانِ الماجد في تلك القوةِ الوجوديةِ التي اصطُفِيَ بها، والتي وسمَها الراسخون في المعرفة بــ “عبقريةِ الصَّهرِ والامتصاص”؛ وهي مَلَكةٌ فطريةٌ باذخة تتقنُ سبكَ الروافدِ الثقافية وأطيافَ اللغاتِ الوافدة في مِصهرِ الوعيِ المغربي المتوقد، فتخرجُ من تينكِ البوتقةِ الواحدة كُتلةً معرفيةً صلبةً ومتجانسة، لا تذوبُ فيها العناصرُ لتنمحي، بل تزهو في كنفِ الاندماجِ لتبدعَ قواماً حضارياً شامخاً، يفيضُ عِزّاً، ويستعصي على الوهن.”
في هذا الفضاء المتعدد، يقدم الدكتور سعيد كفايتي رؤية نقدية رصينة، تعيد تشريح العلاقة الوجودية بين العبرية والعربية.
إن أطروحته التي تتبلور تحت عنوان “العبرية في ظل العربية” لا تنظر إلى الجوار اللغوي كصدفة تاريخية، بل كمرآة عاكسة لتشكل الشخصية المغربية، حيث لا يمكن فهم أحدهما بمعزل عن الآخر في مختبر الهوية الوطنية.
- الوجود الضارب في القدم: تأصيل الوجود اليهودي.
إن الوجود اليهودي في التربة المغربية ليس طارئاً ولا فصلاً استيطانيا عابراً، بل هو عنصر “عضوي” في طبقات الأرض الأولى. وهنا يضعنا الدكتور كفايتي أمام تمييز تحليلي جوهري لفهم بنية هذا الوجود:
اليهود “البلديون”: هم السكان الأوائل الذين تماهوا مع تضاريس الجغرافيا المغربية وقبل لغتها العربية بقرون، فكانوا جزءاً من طين الأرض وهويتها البدئية.
اليهود “الروميون”: أولئك الذين حملوا معهم “الترف المعرفي” الأندلسي إبان النزوح الكبير مع الموريسكيين، ليتحول المغرب بفضلهم إلى مركز إشعاع يزاوج بين الأصالة المحلية والعمق المتوسطي.
من هنا، تبرز الهوية المغربية كجديلة محكمة النسج: الأمازيغية (جذر الأرض)، العربية (حاملة الرسالة واللسان الكوني)، العبرية (ببعدها الروحي)، والحسانية والزنجية (بامتدادها الإفريقي).
2. الجدلية اللغوية: العبرية في رحاب “العروبيات”.
يمارس الدكتور كفايتي “فعلاً تحررياً” للسردية التاريخية عبر إعادة تقييم المصطلحات؛ فهو يرفض المفهوم المستشرق للغات “السامية” باعتباره اختراعاً ألمانياً من القرن الثامن عشر قام على أساطير توراتية لا على فيلولوجيا علمية. وبدلاً منها، يتبنى إطار “العروبيات” (Arubiyat)، حيث تُدرس العبرية كفرع من رحم “اللسان العربي الأم”.
ويتجلى هذا القرب في التفاضل الصوتي؛ فالضاد العربية تمنح اللسان كمالاً بـ (28) صوتاً، بينما تقف العبرية عند (22) صوتاً. هذا “النقص الصوتي” جعل العبرية تحتاج تاريخياً إلى “البنية التحتية” العربية لتتطور، فاستعارت نظام الحركات والتنقيط والقواعد النحوية، لتبني هيكلها الأدبي على ركائز عربية صلبة.
3. عصر التوليف: حين كتبت العبرية بمداد عربي.
بلغت الحضارة الإسلامية ذروتها حين صارت العربية لغة العلم العالمية، مما أدى إلى “استنساخ منهجي” لبناها داخل العبرية.
ويبرز هنا اسم أبو الوليد مروان بن جناح في كتابه (التنقيح)، الذي أعاد هندسة اللغة العبرية وفق المنهج النحوي لابن جني.
ولم يكن مفكرو المغرب بمعزل عن هذا الزخم؛ فقد وضع يهودا بن قريش الفاسي لبنات اللغويات المقارنة، بينما أحدث دوناش بن لبرط الفاسي ثورة في الشعر العبري بنقله العروض الخليلي (الصدر والعجز والقافية) إلى قصائده.
لقد وصلت وشائج القربى إلى حد ظهور “العبرية العربية” (كتبت العربية بحروف عبرية)، مما يؤكد أن العربية كانت روح الفكر اليومي، بينما بقيت العبرية وعاءً للطقوس.
- 4. في حضرة المقدس: الفاصل بين الدين والملة.
ينبه الدكتور كفايتي بصرامة أكاديمية إلى ضرورة الدقة عند مناقشة المقدس؛ فبينما يميل الحداثيون لجمع “الأديان”، يرى المنظور المعرفي المتزن أن “الدين” واحد عند الله، وما سواه “ملل” ومذاهب. هذا التمييز ليس ترفاً لغوياً، بل ضرورة لضمان دراسة اليهودية والمسيحية ضمن الإطار الحضاري الإسلامي دون السقوط في فخ التنميط المعاصر، فالموازنة بين “المصطلح الشائع” و”المصطلح الحق” هي أمانة البحث العلمي.
5. الطليعة الأكاديمية: مدرسة الدراسات العبرية في الجامعة المغربية.
إن تأسيس الدراسات العبرية في الجامعة المغربية، برعاية رواد مثل حييم زعفراني والدكتور أحمد شحلان، كان فعلاً لاستعادة التاريخ المغيب. تميزت “المدرسة المغربية” بتقديم الفيلولوجيا (علم فقه اللغة) على التسييس؛ فصار الباحث المغربي يتعامل مع المخطوط العبري كأداة علمية لفهم الذات المشتركة، بعيداً عن صراعات الشرق الأوسط، مما خلق جيلاً من الباحثين القادرين على فك شفرات التراث الوطني في منابعه الأصلية.
- الخاتمة: المغرب المجيد مختبر التعايش الخالد.
تظل رحلة “العبرية في ظل العربية” الشهادة الأسمى على عبقرية الحضارة الإسلامية؛ فكما قعّد الفارسي سيبويه نحو الضاد، طوّر المفكرون اليهود أدواتهم اللغوية في ظلالها.
إن الهوية المغربية، كما يرسمها الدكتور كفايتي، هي “مختبر للتعايش” وملاذ للتعددية، حيث تلتقي الألسن والملل في معبد حضاري واحد.
هي هوية لا تخشى التعدد، بل تحتفي به، مؤكدة أن التاريخ المغربي هو حوار مستمر بين لغات ومذاهب تقاطعت لخدمة “الحقيقة الإنسانية المشتركة”.
عبور ثقافية جامعة