حياكة الصّمت

أفراح الهندال| الكويت

علّمتها جدتها الكتابة بمغزلها، كانت تنسجُ سيرةً وامضةً، حديثاً يناجي طفولتها البعيدة، تجهّز نوْلها الخشبيّ طويلاً ممتدّاً، كما تريد لسجادتها، تراعي خيوط الصّوف وتفتُـلها برقّـةٍ وجلالٍ لا يقطع حبل أفكارها، تلفّها على ذراع المِغزل بإحكام، ثم تردّد القصائد القصيرة والأمثال ساحرة الإيقاع، لتتبدّى الخيمة والنخلة ويتوالى تشكّل الكائنات المدهشة.

حاولتْ محاكاة احترافها، حرفاً حرفاً، دهشة الطفلة باللغة الأولى، ذهول إنسانٍ قديم برسوم الحضارات، كلما حرّكت جدّتها مِشط النّوْل ليضمّ خيطاً جديداً مشدوداً لخيوط السّدى؛ رسمت البنت سطراً في صفحة جديدة.

ما زال نسيج جدتها بهيّ التفاصيل، لكن محاولاتها في الكتابة ظلّت وبَراً عابثاً لا يُتقن عقدَ فوضاه.

قالت لها بحدسٍ حنون: “الصّمت والإيجاز” يا ابنتي. كما نمدّ للأحباء سجادةً لا تفصح عن لغتها إلا بالرموز، وكما نجدل الحكايات أمثالاً للعابرين.

تذكّرت مساحة “تشكيل النّفَس” بواسطة المكوك اليدويّ بين طبقتيّ الخيوط في النوْل، عرفت المجاز! وصنّارة التقاط الخيوط برأسها المعقوف، علّمتها كيف تنتقي ذكرياتها والأحلام والرؤى. أما الشفرة التي تقطع عُقد الخيوط الزائدة، فستفي بالأسلوب مكثّفاً!

استرسلت البنت طويلاً في الكتابة، تُحوّل العِراك خطوطاً متوازية، تترك للشكوى نقاطا ملونة، تشيّد ارتباك هواجسها بنصّ قصير، وتكتبُ الشخوص مجسّمات مؤولة.

كبرت وهي تحيك الصّمت وتبوح للنسيج، صارت كجدّتها؛ امرأةً ترفض أن تدوس قدمٌ سجّادتها، وتشترط الجَهْر بها مُعلقةً على الجدران.

*من مجموعة “سكّين النحت”

عن أحمد الشيخاوي

شاهد أيضاً

أُحِبُّكِ غَزَّةُ يَا نَبْضَ رُوحِي

محسن عبد المعطي محمد عبد ربه|مصر مُهْدَاةٌ إِلَى صَدِيقَتِي الراقية الشاعرة السورية القديرة / أديبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات