“عزلة وارفة” لمحمد الساق.. الشاعر حين يبحث عن معنى

عمان-

ديوان “عزلة وارفة” للشاعر  المغربي محمد الساق والمزج بين التساؤلات والتأملات في رحلة متلاحقة الأنفاس عبر عدد من القصائد/ الدفعات القوية القصيرة المباغتة، فقليلاً ما نصادف نصاً طويلاً عبر صفحات الديوان.

ويأتي عنوان الكتاب الصادر حديثًا عن “الآن ناشرون وموزعون” في الأردن في 112 صفحة من القطع المتوسط، وتتبدَّى نبرة السخرية في الديوان منذ اللحظة الأولى التي يهدي فيها كتابه “إلى ظلي”، كما يستشهد قبل البداية بمبدعين سابقين شكَّلت بعضُ عباراتهم وجدانَه، إذ يفتتح ديوانه باقتباس للكاتبة المسرحية الأمريكية إدنا ميلاي تقول فيه: “هناك فجوةٌ في العالمِ أجدُ نفسي أمشي إليها باستمرارٍ في وضحِ النهار، وأسقطُ بها في الليل”.

وتأتي قصائد الديوان كطلقات نارية تصيب الهدف، ففي نص “عادة يومية” يقول محمد الساق:

“كلّما أمْطَرَتْ فكرة في مُخيّلتِي

نمتُ مُنتشياً مُوقناً أنّنِي في الصباحِ

سأفتَحُ عينيَّ في غَابةٍ

عندَ أنهَارِهَا يتجمَّعُ

شَعبٌ منَ الكلمَات!”.

ويطرح الساق عدداً من التساؤلات الوجودية (الساخنة) بين: متى، ولماذا وأين وكيف ومن في قصيدة “أسئلة ساخنة” التي يختتمها قائلاً:

“لو كنتَ تدري أيَّ نارٍ

تضرمُ الكلماتُ فيكَ إذن

جعلْتَ الصمتَ تُزهِـرُ روحُهُ في مُعجمِكْ”.

وكأنه يوصي نفسه بالصمت كخير رفيق.

 وفي قصيدة “مصير” يقول محمد الساق:

“في عيْنَيها

 كانَ النّهرُ يَصُبُّ مسيرَتَهُ

كانتْ للكلمَاتِ

ظِلالٌ تُشبِهُ قَامَتَها

كانَ البحرُ يُقلّدُ

ضِحكَتها

والرّيحُ تُحابِي

غيمتَها

والآنَ أراها

تشربُ

    حسْ

         رتَ

             ها…”.

وكأن وقع قطرات دموع الحسرة تنقر مسامعنا وفق ذلك الرسم الإيقاعي للقصيدة، لا سيما في الخاتمة.

وفي قصيدة “يومئ للظل” يقول محمد الساق:

“كلَّ مسَاءٍ

تشربُ نفسُ الطُّرُقاتِ خطاهُ

وتحملُهُ في رفقٍ نحو مرايَا الغُربَةِ

والصمتِ المتوهِّجِ في دمِهِ

وبلا لغةٍ يَقرأُ هذا الكونَ ويحلمُ

أن يتخفَّفَ من سيرتِه في الحزنِ

ومن آتٍ ينفُذُ كالخيطِ من الأيامِ..

ويرتقُ ضحكتَهُ الـ”لمْ” تنضجْ بعدُ

على شفةِ الأحلامِ”.

وكأنه يؤكد وصيته القبلية بالصمت!

وأما القصيدة التي تحمل عنوان الديوان “عزلة وارفة” فيقول فيها:

“تعبَ الموتُ في البحثِ عن بيتهِ زمناً

وهو في ليلهِ يتفيَّأُ عزلتَهُ الـ”لمْ” تزلْ تتأرجَحُ بينَ احتراقِ

المواعيدِ في عمرِهِ الـ”لَّا يؤُوبُ”

وبينَ احتمالٍ خفيٍّ يجفِّفهُ الغيبُ

من قسماتِ الوجوهِ وصمتِ الملامحِ

في ماءِ مرآتِهِ الشاردَةْ”.

وكأن الأبطال هم أنفسهم الصمت والموت.

وفي قصيدة “فخ” يقول محمد الساق:

سأل القبرُ ضيفَه الشاعرَ:

 _ كيف انتهيتَ إليّ؟

قال الشاعرُ:

 _ بينما كنتُ أقفزُ من معنىً

إلى آخر مطارداً وجهَ المجازاتِ

دُستُ بقلمي على معنىً مفخّخٍ نصبه الموتُ لي في القصيدة

فوجدتُني في جوفِك”.

وكأن الختام للديوان مثلما لحياة البشر أجمعين هو الموت.

وجدير بالذكر أن محمد الساق شاعر مغربي ولد عام 1993، له عدة مشاركات  في عدد من المهرجانات والملتقيات الشعرية وطنيا وعربيا، نشرت له نصوص في مجلات وصحف مختلفة، كما نال عدة جوائز وطنية، صدر له في الشعر: “أنشودة الليل الأخير”، منشورات دار الشعر بتطوان (المغرب) 2018، ألقِ عصاك يا غيب، دار موزاييك للدراسات والنشر (تركيا) 2022.

عن أحمد الشيخاوي

شاهد أيضاً

أُحِبُّكِ غَزَّةُ يَا نَبْضَ رُوحِي

محسن عبد المعطي محمد عبد ربه|مصر مُهْدَاةٌ إِلَى صَدِيقَتِي الراقية الشاعرة السورية القديرة / أديبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات