هل الرواية حقاً هي “ديوان العرب” الجديد؟

إنّ ملاحظة ازدياد كتابة الرواية وقراءتها ومشاركتها في المشهد الثقافي العربي خلال العقد الأخير، مقارنة بثبات مكانة الشعر، ظاهرة حقيقية تستحقّ التوقف عندها. لكنّ القول بأنّ الرواية قد “سلبت الشعر موقعه” وأصبحت “ديوان العرب” الجديد، يتطلب تحليلاً دقيقاً يأخذ بعين الاعتبار مختلف جوانب هذه الظاهرة.لذلك لابد من الوقوف على الملحوظات التالية:

أ- ازدهار الرواية العربية: شهدت الرواية العربية في العقود الأخيرة نهضةً ملحوظة، اتّسمت بتنوع المواضيع والأفكار وازدياد عدد الروايات المنشورة وارتفاع جودة الكتابة. ساهم في ذلك عوامل متعددة، منها: انتشار دور النشر، وتوفر المنصات الإلكترونية للنشر، وتنامي الاهتمام بالقراءة لدى الجمهور العربي، وجوائز الرواية العربية التي شجّعت الكتّاب على الإبداع.

ب- تراجع مكانة الشعر: بينما لم يختفِ الشعر العربي تماماً، إلّا أنّ شعبيته قد تراجعت نوعاً ما، خاصةً بين فئة الشباب. يرجع ذلك إلى عوامل متعددة، منها: صعوبة قراءة الشعر وفهمه مقارنةً بالرواية، وانحسار دور الشعر في المناسبات الرسمية، وقلة الاهتمام بتدريسه في المناهج الدراسية.

 ج- تاريخ الشعر العربي: يتمتع الشعر العربي بتاريخ عريق يمتدّ لآلاف السنين، وكان له مكانة مرموقة في الثقافة العربية، حيث كان يُعتبر ديوان العرب، يُعبّر عن مشاعرهم وهمومهم ويُخلّد تاريخهم. لا يمكن للرواية، على الرغم من ازدهارها، أن تُمحو هذا التاريخ أو تُسلب الشعر مكانته الثقافية.

د- استمرارية الشعر: لا يزال الشعر موجوداً بقوة في مختلف أشكاله، من شعر الفصحى إلى الشعر العامي إلى الشعر الحر. كما أنّ هناك العديد من الشعراء العرب الموهوبين الذين يحظون بشعبية كبيرة، خاصةً بين فئة الشباب.

 ه- اختلاف الوظائف: تختلف وظائف الرواية عن وظائف الشعر. فالرواية تُقدّم سرداً تفصيلياً لحياة الشخصيات وأحداثها، بينما يُركّز الشعر على التعبير عن المشاعر والأفكار بشكل مكثّف.

    ومن المهمّ التأكيد على أنّ هذا الموضوع معقد ويحتمل وجهات نظر مختلفة، كما أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أنّ ظاهرة ازدهار الرواية وتراجع مكانة الشعر ظاهرة نسبية، وتختلف من بلد عربي لآخر، وبناء على ذلك نحن بحاجة إلى المزيد من الدراسات والبحوث لفهم هذه الظاهرة بشكل أفضل. وبالتالي لا يمكن الجزم بشكل قاطع بأنّ الرواية قد “سلبت الشعر موقعه” وأصبحت “ديوان العرب” الجديد. فلكلٍّ منهما مكانته الخاصة في الثقافة العربية، ووظائفه التي لا تُغني عن الأخرى. إنّ ازدهار الرواية العربية ظاهرة إيجابية تُثري المشهد الثقافي العربي، لكنّها لا تُلغي مكانة الشعر وتاريخه العريق.

بقلم حسن لمين

عن أحمد الشيخاوي

شاهد أيضاً

شلال الماضي

ابتهج لصوتككما تبتهج الأزهار لقطرات السحبابتهاج الطيور لفصل أبقلبي يلمع ويرنكقطعه نقودقلبي يبرق بالذكرىمثل سحابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات